عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

459

اللباب في علوم الكتاب

و « ما » يجوز أن تكون مصدريّة أو اسميّة ، والعائد محذوف . فصل في المقصود بالمصيبة في الآية قال الزّجّاج « 1 » : [ المراد ] « 2 » بالمصيبة : قتل صاحبهم الّذي أقرّ أنّه لا يرضى بحكم الرّسول - عليه الصلاة والسلام - ، جاءوا إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطالبوا عمر به ، وحلفوا أنّهم ما أرادوا بالذّهاب إلى غير الرّسول إلا الخير والمصلحة . وقال الجبّائيّ « 3 » : المراد ب « المصيبة » هنا : ما أمر اللّه - تعالى - نبيّه من أنّه لا يستصحبهم في الغزوات ، وأنّه يخصّهم بمزيد الإذلال والطّرد عن حضرته ، وهو قوله - تعالى - : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ الأحزاب : 60 ] ، إلى قوله : وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [ الأحزاب : 61 ] ، وقوله : لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً [ التوبة : 83 ] ، وهذا يوجب لهم الذّلّ العظيم ، وإنما أصابهم ذلك لأجل نفاقهم . وقوله : « ثُمَّ جاؤُكَ » أي : وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ، وأنّا ما أردنا بما كان منّا إلا الإصلاح ، وكانوا كاذبين ؛ لأنّهم أضمروا خلاف ما أظهروه . وقال أبو مسلم « 4 » : إنه - تعالى - لمّا أخبر عن المنافقين ، ورغبتهم في حكم الطّاغوت ، وكراهتهم في حكم الرّسول - عليه الصلاة والسلام « 5 » - أنه سيصيبهم مصائب « 6 » تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الإيمان له ، ويحلفون أنّ مرادهم الإحسان والتّوفيق ، قال : ومن عادة العرب عند التّبشير والإنذار أن يقولوا : كيف أنت إذا كان كذا وكذا ؛ ومثله قوله - تعالى - : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [ النساء : 41 ] وقوله : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [ آل عمران : 25 ] ، ثم أمره - تعالى - إذا كان منهم ذلك ، أن يعرض عنهم ويعظهم . وقال غيره : المراد ب « المصيبة » : كلّ مصيبة تصيب المنافقين في الدّنيا والآخرة . قال القرطبيّ « 7 » : وقيل : إن قوله - تعالى - : فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضّرار ، فلما أظهر اللّه - تعالى - نفاقهم ، وأمرهم بهدم المسجد - حلفوا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم دفاعا عن أنفسهم : ما أردنا ببناء « 8 » المسجد إلّا طاعة اللّه وموافقة الكتاب . قوله : « يحلفون » حال من فاعل جاءوك ، و « إن » نافية ، أي : ما أردنا و « إحسانا » مفعول به ، أو استثناء على حسب القولين في المسألة .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 126 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 126 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 127 . ( 5 ) في ب : بشر الرسول عليه الصلاة والسلام . ( 6 ) في ب : مصاب . ( 7 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 171 . ( 8 ) في ب : أنهم ما أرادوا ببناء .